الاثنين، 9 يناير 2012

عام جديد ....



مع نهاية كل عام .. تأخذني قدماي إلى مكان بعيد هادئ و تُراني أجلس وحيدا أراجع أحداث العام المُنصرم و أتأمل كل حدث بكل مشاهده و ظروفه و أشخاصه كأني أُشاهد فيلما سينمائيا ..

و دائما ما كان يرتبط نهاية العام ببداية موسم الاختبارات المقررة ..

و بالرغم من هذا كنت أجد نفسي فى أمس حاجة للجلوس وحيدا، أعزل نفسي و أحتسي القهوة التي لا أحبها مُركزة فتراني أطلبها قهوة بالحليب .. الحليب يخففها قليلا ..

و المشاعر و الأحاسيس بحياتي هي أيضا من تخفف الأحداث و تجعلها أخف و تعطيها بعدا أكثر رقة و تراني أجد نفسي أربط بين أهم الأحداث بحياتي و أهم الأحاسيس بحياتي .. لكل حدث مهم بحياتي إحساس أهم .. و قد يكون إحساسا مُؤلما و قد يكون إحساسا مُفرحا لكنه يبق عندي أهم من الحدث ذاته.

الأحداث المؤلمة أتذكرها أكثر من غيرها ..

فى مثل هذه الأيام أذكر جيدا و بكل أسي كيف كنا نقف فقط لمجرد الوقوف فى تمثيليه هزليه ساخرة حقيرة .. الداخلية تطاردنا و الأخوان المسلمون يشجعونا على الوقوف و الاستمرار و الثبات .. مهزله الانتخابات المُزورة .. هنا كان يتم تزوير إرادة شعبنا و بأمر رسمي من الجهات الرسمية السيادية .. حكومتنا هي من تُزور كلمتنا و إرادتنا و هويتنا و كل ما بنا و كل ما فينا كان قابلا للتزوير حتي بطاقات هويتنا كانت قابلة للتزوير و شهادتنا العلمية قابلة للتزوير و الحب الذي نحمله للآخرين قابلا للتزوير و إعجابك بفتاة قابلا للتزوير و حتي أحلامك و طموحاتك قابلة للتزوير.

الحاجة الوحيدة التي لم يستطيعوا تزويرها هي الجينات التي نحملها فى نوايا خلايانا و التي تحمل من الغضب ما هو أكبر من أن يُزور.

و كان حينها أقصي أمانينا أن يتم إقالة واحدا من وزراء هذه الحكومة المُزورة .. الله كبير .. سقطت كل الحكومة و سقط رئيسها .. الله كبير.

لذا ترانا اليوم نبكي و ندع الدموع تسقط و بداخلنا يرفرف شعور الفرح .. اليوم أنا بكيت و أنا أشاهد الانتخابات .. فرح جميل كلنا نغني فيه و كل واحد منا يُغني كما يُريد و بما يُريد .. يُغني الأغنية التي يُحبها بالطريقة التي يُحبها، هذا الشعور لم نشعر به من قبل ..

أنا و والدي و والدتي و جدي و جدتي و كل المصريين منذ زمن طويل لم يجربوا هذا الشعور .. كان دائما الشعور المسيطر هو أننا نُريد أن نُغني بما نُريده لكننا لا نستطيع .. كان يجب دائما أن نُغني بما يُريدون هم لا بما نُريده نحن؛ و هذا ما أفقد الأغاني عذوبتها و حلاوتها فصارت أغاني ماسخة لا معني لها و لا روح.

فى مثل هذه الأيام كنا نتخفي و نحن ذاهبون للميدان المُسمي بميدان التحرير .. كانت الأُمنيات الجميلة و التحديات الخطيرة تحدونا و نحن بالميدان .. كان هتاف الشعب يريد اسقاط النظام يُزلزل القلوب و يبعث فيها روح التحدي و المخاطرة .. نترك الميدان و كأننا نترك المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نعلن عن مشاعرنا الغاضبة الناقمة على أحوالنا التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، و عندما نعود للميدان تعود إلينا مشاعرنا من جديد و كأننا نعود إلى الأمل من جديد .. نعود إلى المكان الذي هو بمثابة النافذة التي سنطير عبرها إلي الحياة الجديدة .. صدقوني لم نكن أبدا نُصدق و لم يكن أحدا فى هذا العالم يُصدق أننا سنطير هكذا و أن لنا أجنحة قد تُرفرف بنا هكذا و أننا حقا سنُسقط الرئيس .. و كان حلما حتي لآخر لحظة .. لكني اليوم و أنا أتذكر هذه الأيام أقول أن أجمل ما في ثورتنا أنها أعادتنا إلى روح المغامرة .. روح المخاطرة .. و هذه الروح ضرورية لكل من يريد أن يصنع تغيرا حقيقيا يؤدي إلى نهضة حقيقية .. إنها الروح التي ستعيد مصر إلى مكانتها .. أري ذلك و أنا أتحدث وأستمع لكل من كان فى التحرير .. إنها الروح التي سنبني بها و سننهض بها بإذن الله.

إن كل ما كان فى التحرير و كل هذه تساوي بلغة الأرقام الملايين و كل من شاهد أحداث التحرير وثورة التحرير سيحكي يوما لأصحابه أو لأحفاده أنه بطل و سيخرج لنا جيلا جديدا يفهم البطولة ويعرف طريق البطولة و يحقق البطولة .. لذا أزعم أن ما فعله المصريون بميدان التحرير هو بداية فقط لتحرير آخر يتبعه تحرير و تحرير و تحرير .. إنه مسلسل التحرير قد بدأ و حلقاته لم تنته بعد.

إنني أشعر الآن بمقولة باربرا ستاني " أننا حقا قادرون على الذهاب أبعد مما نتخيل لنفعل أشياء لم نكن نتخيلها" .. إنني أشعر الآن أكثر من أي وقت مضي أن لي أجنحة قادرة على الطيران لمسافات أعلى و أبعد.

و أخيرا قبل أن تنتهي الرشفة الأخيرة من قهوة الحليب أذكر بكل حزن أنه فى مثل هذه الأيام منذ سنتين أتذكر بكل وفاء الابتسامة الجميلة التي طالما أسعدتني و ألهمتني كثيرا .. رحلتي عنا و برحيلك رحلت عني ابتسامتك لي، من سيبتسم لي مثلك فى هذه الحياة .. لا أحد .. أكررها لا أحد.

هذه الأيام أنتطر ابتسامة من نوع آخر .. ابتسامة المحبوبة لحبيبها .. الزوجة لزوجها .. ابتسامة حب و وفاء و مودة و رحمة و استقرار و اطمئنان .. اللهم أقدر لنا الخير.

و ما بين الانتظار و ما قبل الانتظار و ما بعد الانتظار أتناول قهوة الحليب و أقول: للقهوة طعم جميل عندما نحتسيها مع الحليب، و لها طعم أجمل عندما نحتسيها مع من نُحبهم، و الطعم الأجمل على الإطلاق في قهوة النجاح و التفوق و الإبداع.

إلى كل اللذين أُحبهم و اللذين رحلوا و اللذين لم يحن الوقت بعد لقدومهم : أحمل لكم ما هو أجمل من أن أكتبه .. وطبعا أحمل لكم القهوة و الحليب لنحتسيهما معا .. إلى اللقاء بإذن الله.


ليست هناك تعليقات: