الجمعة، 6 يناير 2012

أسأل نفسي ....................... قصة قصيرة قديمة



أسأل نفسي ..

هل أخذتها يوما في رحلة سير، و تمشيت بجوارها، و تناقشت معها، كما تفعل مع زملائك ؟

أرد و أقول :

هي التي ترفض و تتعنت دائما.

أنت الذي لم تجرب معها طريقة أخري أو وسيلة أخري، أنت تعيش في فكرة أنك أنت الأصغر وأنها هي الأكبر أنت تتهرب من كونك أخاها.

و الآن تحاول أن تتجاهل ما تسمعه، أليست هى هى المشكلة التي تري أنها واحدة من المشاكل المعقدة التي تطاردك في تفكيرك و تثير انتباهك.

عفوا أيها القراء ..

هل رأيتم من قبل واحدا مثلي ؟ يقف حائرا وحده يراقب مجري النهر و يفكر في حيرة، يود لو يصرخ بأعلى صوته طالبا النجدة :

- أيها النهر العظيم هلاَّ أخبرتني عن حال أختي ؟

أخاطب نفسي ، أحاور نفسي ، أسأل نفسي عن أختي.

ما بك يا مريم ، كلامك بالأمس مقلق للغاية، يا تري ما الذي حل بك يا مريم ، فراغ عاطفي، الحاجة إلى مشاعر أكثر و عواطف أكثر واهتمام أكثر، تشعرين بالوحدة .

- أيها النهر العظيم هلاَّ أخبرتني ماذا يجب أن أفعل ؟

ربما هي المرة الأولي التي أسمح لنفسي أن أفكر في أمر أختي مريم، هي الأكبر و المفروض أنها هي التي تفكر في أموري و تتحمل همومي، هي كل ما لي بعد أمي؛ هي الأجدر لأن أرتمي في حضنها وأُقبل رأسها، و أنام في حجرها، و أهمس في أذنها :

أحبك بلا خوف، أحبك بلا قلق، أحبك بلا ثمن و بلا خجل.

فكرت يوما أن تستقطع جزءا من وقتك و تحاورها، أن تخرج معها في نزهة، أن تزورها يوما في جامعتها، أن تنتظرها علي باب الجامعة، أن تسألها عن أصدقائها، زملائها ، ما تحبه و ما تكرهه أن تشعرها بأنك معها .

كلهم يلومونني و يعاتبونني ، لما لا يعاتبون مريم التي تتعنت معي و ترفضني ؟

تتأمل كل ما حولك و تنسي أن تتأمل حال أختك ، تتأمل الشوارع و الجدران و الأشخاص وصناديق القمامة و علب المياه الغازية.

تتأمل باهتمام إعلانات الشوارع و لوحات السيارات و صور الحائط لكنك لم تكلف نفسك يوما بأن تتأمل حال أختك، تعبيرات وجهها، ملابسها .. ضيقة و مجسمة أم واسعة و فضفاضة .. أن تتأمل كلامها، همومها ، أحاسيسها.

بالأمس كنت تراقب مشاهد الفتيات يجالسن الفتيان بساحة الجامعة، و كنت تنظر إليهم و تضجر و تزمجر و تكتم في نفسك إحساسا بالتقصير اتجاههم، اليوم تكتشف أن أختك هي واحدة من هذه المشاهد، ماذا ستفعل ؟

أصلا أين كنت منذ البداية ؟ منذ أول يوم حدث ما حدث، منذ أول نظرة و ابتسامة و موعد..

أسأل نفسي عن دورا لخالتي .. خالتي أخت أمي.

خالتي أحبها و أقدرها بالرغم من سذاجتها أحيانا، لكنها تبقي خالتي و لها أولادها و زوجها والتزاماتها و مسئولياتها و غيرها و غيرها.

تسألونني أين أمي ؟

حسنا ، سأخبركم ..

هنا كانت تعيش أسرتنا.

عفوا ؛ كانت أسرة لم يبق منها سوي أنا و أختي مريم ، وصورا لأمي جمعتها بعد وفاة أمي من الأدراج علقتها بأركانِ متفرقة بالبيت ، بالإضافة لصورة واحدة يتيمة هي صورة لأبي و أمي يوم زفافهما نقلناها بعد وفاة أمي من غرفتها إلى الردهة الرئيسة.

أتمني في كل مرة أقف فيها أمام هذه الصورة أن أضع يدي لأخفي صورة أمي، و أصيح في صورة والدي:

أين أنت الآن؟

و لماذا تركتنا؟

ماذا فعلوا بك لترحل؟

متى ستعود؟

أحي أنت أم ميت؟

لماذا لا تعود؟

دلفت إلي حجرتي، و أغلقت الباب ورائي، و جلست بهدوء إلى المكتب، و أضأت المصابيح، وأخرجت كتاب علم الوظائف ( Physiology) و بدأت أستذكر الدروس.

أسرح في الصور المثبتة أعلي مكتبي، الأولي صورة أمي - رحمها الله - و هي تقبلني يوم نجاحي في الشهادة الإعدادية، و الصورة التالية هي صورة لجدي يدخن السيجار الكوبي المستورد، وبالإضافة إلى صور أخرى منفصلة تلمع و تخبو و لكني لا أنفعل بها، كل هذا يتحرك بذهني من حين لآخر، و أنا أقرأ، و أتأمل صور الكتاب .. فرسة جميلة يبدوا عليها علامات الحمل ، و قد عزلوها في مكان خاص بعيدا عن الذكور حتى لا يفشل الحمل.

وضعت قلمي جانبا.

وضعت رأسي بين يدي، و نظرت لأسفل.

و رحت في صمت عميق متأملا المنظر أسفل مني .. خمس و عشرون بلاطة هم عدد البلاطات في غرفتي، و البلاطة الأخيرة غير مكتملة، إذن عدد البلاطات أربع و عشرون بلاطه و نصف.

خلعت ثيابي، و ارتديت ملابس النوم، كنت استعد للنوم عندما سمعت وقع أقدام في الردهة الخارجية، خطوات مريم أختي، من غيرها بالبيت ؟، طرقت بأصابعها على الباب، فتحت الباب ببطء، وأطلت، و دخلت في صمت ثم جلست علي فراشي، ثم استلقت مكاني و أفردت الغطاء فوقها، تكورت تحته، تغطت بأكملها فلم يظهر منها شيئا و كأنها تغطي بداخلها سرا يطاردها بعنف و يُتعبها ..

هل ستقف مكتوف اليدين لتجد المصيبة تحصد حياة أختك ؟ المصيبة في طريقها إليك، لم يعد بينك و بين وقوعها سوي خطوات.

ماذا ستفيد الشعارات التي ترددها و الأفكار التي تطرحها و التأملات التي لا تنتهي، ماذا سيفيد كل هذا طالما أنها لن تحل لك المشاكل التي تحيط بك.

أختي نفسها تعتبرني أخيها الأصغر، و ترفض أن تستمع إلي و لو مرة واحدة ، تُؤكد أني لا زلت صغيرا، صغيرا في كل شيء، في العمر و الفكر و الخبرة و الحياة، و أيضا صغير الجسم.

مُتعب ..

لا أملك أكثر من ذلك لأُخبركم به ، كل ما بي يضيق ، كلي أتقلص .

أحتاج لضحكات عاليه .. صخب و أشياء أخري سعيدة.

أكره أجواء الحيرة و القلق و التعب .

أحاول أن أفعل شيئا قبل أن يقبضني قلبي ، أحاول أن أضحك .

أخلع نظارتي ، أفرك عيني ، وأنا أحث جسدي المنهك على النهوض فتؤلمني عيني ، و يعاندني النشاط ..

عفوا أيها الأحباب .. مضطر للتوقف الآن ..

عندي امتحان في فسيويوجيا الحيوان غدا .

ليست هناك تعليقات: