الثلاثاء، 11 يونيو 2013

الفتاة التي ..... !!

الفتاة التي ..... 





الفتاة التي تقرأ و تفكر و تطبخ و تقود السيارة و تخطط لرحلة سفر و تتجمل لمن يخصها بالطريقة التي تخصها ..
 و تتفقد قلبها قبل أن تنام و تتفقد بريدها الالكتروني بالصباح ..
كما أنها تغلق الاضواء كلما غيرت مكانا و تغسل ثيابها و تنشرها و هي تستمتع برائحة الصابون المتطايرة ..
و ترسم و تحتسي قهوتها كما لو كانت تجلس فوق سطح منزل جميل كان مكانا لطيفا بأحداث رواية لطيفة قرأتها يوما و تقاسمت حلاوتها مع ضوء القمر ..
الفتاة التي تتغافل كثيرا و تقول في كل مرة تغض الطرف فيها عن أخطاء الآخريين .. لنا رب غفور فلما لا نتجاوز .. نتجاوز ليتجاوزنا الله بعفوه و رحمته .
الفتاة التي تشعر أنها حين تمشي تكاد تطير .. تطير و تحلق بـأخلاقها إلي العلياء ..
الفتاة التي تتكلم و تناقش و تعرض رؤيتها بناء علي علم  و معرفة و تُتبعه بمهارة و أداء و عمل و إنجاز.
الفتاة التي لا تهتم بصغائر الأمور لكناه تهتم بالأمور البسيطة .. صلاة الضحي، وتر العشاء وابتسامة هادئة لصديقتها و قبلة علي يد والديها ..
الفتاة التي ترتب منزلها بنفسها و تمنح كل ما بمنزلها روح النشاط و الحركة و الحيوية..
الفتاة التي تري نفسها مصنعا منتجا و فيه تُصنع الرجال و تنتج معهم كل معاني الشجاعة والصبر و الاقدام و الكفاح و النضال.
الفتاة التي لا تخجل أن تجلس كل مساء و تنتظر زوجها و تقول له : اشتقت لك يا حبيبي و في الصباح تودعه
 و تقول : اتق الله فينا و لا تطعمنا إلا حلالا ..

الفتاة التي تدرك أنها و زوجها و أولادها و بيتها و كل مافيه هو أصلا قدر الله فهي في ذلك ماضية ومطمئنة ..



الأربعاء، 5 يونيو 2013

أين بطاقتك ؟

أين بطاقتك ؟



شعره الأسود، و ملابسه السوداء، و حذاؤه الأسود، بل و حتى لون بشرته الأقرب للون الأسود لا يعنى بالضرورة أن له قلبا أسودا تماما كلون قالبه الأسود .. ظاهر الأجفــان قد يختلف عن بواطنهــا.
بيد أنه لا روح تسلــم في دهاليـز الحياة من مُصافحة إبرها السوداء التي توخز القلب بوخز فتتبرم.
عند زاوية معتــمة، كان يسير نحوهـا حتي تهادى إلى سمعه صوت غريب، صوت يصرخ بقوة،  ثم يتعالى الصراخ، يتحرك الصوت بجنونه لـيعبر المسافات، و يكسر الحواجز، و يتخطى الأسوار، محدثا في الصميم حركة خفية نابتة في الأضلع .. هـي حركة الأحاسيس، تتحرك في همس في مجرى الوريد، يتلاقى الهمس مع الهمس، كالسحب المثقلة عندما تندمج معا وتكبر و تعلو ، الهمس يصير هزة ثم صرخة ، صرختين ..
 آآآآآه
 الصراخ يثير الحركة.
للتو، و بسرعة يتحرك صاحب القالب الأسود، يتحرك برباطة جأش، بحماسة، على الأرجح كان الخطب خطيراً، يندفع نحو الصراخ، يندفع بقوة المشاعر و العواطف، و يعبر الطريق باتجاه الصراخ شاقا الغمام، يلمحها من بعيد، تستنجد بصوتهـا المتألم.
هو و بكل شجاعة يكسر حواجز متعددة، يحطمها، يدمرها، و يقذف بها بعيدا عن طريقه، لا مكان لها الآن.
ما يحثه على المسير دافع داخلي قوي لا بياضهـا الناصع المطعم بالشقار وملامحهـا الجميلة.
ينجح في الاجتياز والتنقيب عن صاحبة الاستغاثة، يدرك الصراخ واضحا.
كلما أقترب أكثر كلما اتضحت له الرؤية، يرى النزيف، وتلك الدموع الهاطلات، تهتز بداخل تلابيبه حركة أخرى، خفية كعادتها، حسية كأختها الأولي لكنها تحرضه باندفاع ليقترب أكثر فأكثر.
نعم هو يقترب، يقترب بلا خوف، بلا تردد و بلا قلق، بلا ورود، بلا أسلحة.
ينحني نحوها.
يفحص المشهد عن قرب، يتأملها لبرهة، فيدرك هول الحدث بعد برهة، و بسرعة يخلع رباط عنقه الأسود لـ يضمد به مكان النزيف الأحمر.
يمتص اللون الأسود اللون الأحمر، كأنه خبير في مثل هذه المواقف يربط الجرح جيدا ، ليختف بعض من حمرة الأحمر، و يزداد الأسود سوادا كي يختفي الأحمر!
يربط الجرح ربطة أخرى، يعقدها جيدا، يزداد الألم الرابض فيهـا، تتعالى صرخاتهـا وتأوهاتهـا.
-         لا تقلقي ستكونين بخير.
يهدأ الصراخ بعض الوقت لكنه لا يتوقف.
للتو يحملها بين ذراعيه، تحاول هـي التغلب على أوجاعهـا، تتشبث بيدها في ملابسه السوداء، تعصرها بين أصابعها بقوة، بكل إصرار، كما لو كانت تتشبث بالحياة، و الحياة هنا فـي ملابسه السوداء التي تلامس أطرافهـا.
يجرى بها بقوة، باندفاع، بحماسة، ليزداد شهيق صدره، لتزداد نبضات قلبه و ليزداد عرقا.
يستمر يجرى و يجرى بسرعة محاولا الهرب من الموت، و الحقيقة أنه يهرب إلى ما قبل الموت.
تعرفون الموت؟
تعرف ما قبل الموت ؟ ، تعرف ما بعد الموت ؟
فيما قبل الموت كان يهمس لروحه بأن منافذ الحياة تقترب إليهما كلما أسرع المسير، و بذلك يزداد الخطى، و يتناسى الجهد المضني، و يدير ظهره للألــم.
لكن ما أن يبدأ الشعور بالتعب يغلبه، يهدأ المسير، يزداد الشهيق، و يقل الزفير، ينقبض صدره أكثر مما ينبسط، يزداد تعبه، و يعلو صوت الشهيق، يعلو و يعلو.
يتوقف المسير معلنا التعب مع الألم.
دموعها تتحرك، تسيل، تنهمر بقوة و بعنف لتبلل قميصه الأسود، تنتشر الدموع بين ألياف ملابسه، و كأن الدموع صارت كالوقود تدفعه ليتحرك من جديد، كأنها ترجوه:
- تحرك أيها الأسود، تحرك لا يهم أنك أسود أو أبيض، تحرك لنتحرك معك.   
ليدرك هول المصيبة، يتحرك الذي بداخله من جديد، ليتحرك شيئ جديد معه، إحساس جديد، حُلم جديد، ليتحرك صاحب القالب الأسود من جديد، و يجرى و يجرى ليهرب بها نحو الحياة.
يزداد الشهيق من جديد، يزداد النبض من جديد، و تتسع حدقة عينه ليرى الصورة في مُجملها واضحة شارقة كمدينة القاهرة - مسقط رأسه- ، باسمة بابتسامة المصري الصبور، تخبره بكل وضوح أن الأمل أبدا لا يموت.
تتنهد البيضاء المُتعبة، يهتز لسانها، هزة .. هزتين .. ثلاث ..أربع، و تتنهد.
و تتحشرج الكلمات على شفتيها بصعوبة.
- هل سأعيش ...؟   
يسمعها بوضوح، تتنهد ، تترقب إجابته بطرف حزيـن، لكنه يتعالى عن الإجابة، يفضل الصمت ويستمر في الجري بلا توقف.
يستمر بلا وهن و بلا تعب و بلا راحة، لم يعد لديه وقت يضيعه كي يهرب بها إلى الحياة، أو لتموت و معها يموت أمله.
فرصته ليحقق أمله.
بلا شك له قلبُ أبيض قادر على الوصول، و قادرُ على التواصل.
يجرى و يجرى بكل حماسه.
يلمح شيئاً أبيض من بعيد يقترب منه شيئا فشيئا، فيجرى نحوه، و يتجاهل صوت الشهيق ، ويتجاهل الدموع، و يتجاهل الجميع ليقترب أكثر و أكثر مما هو أبيض، و كأن الحياة في ذاك الأبيض !
يدركها جيدا، إنها سيارة الإسعاف، يرفع ناظريه نحو السماء، يشعر بنجاح المحاولة، يشكر الخالق، ويواصل الجري فلم يتبقى سوى بضع أمتار، أربع أمتار، مترين، متر واحد.
و أخيرا يتوقف للتو، يلتحم بالسيارة البيضاء، بسرعة يُفتح باب السيارة.
سيارة الحياة تفتح أبوابها.
يُفرغ حمولته، عفوا ي.. ُفرغ بعضا من إنسانيته المنهمكة في بكائها.
يريحها برفق على سرير الإسعاف، و برفق يجلس بجانبها.
تتنهد، تشعر بالبرد، تهتز أطرافها من جديد ، ترتعش، بسرعة يخلع معطفه الأسود، يغطيها جيدا، تستمر فى رعشتها، تتراطم أسنانها، و تحدث أزيزا.
يرتخي جفناها، يمسح الأسود بحنو على شعرهـا ويهمس:  
-         الأمل لا يموت، لن تموتي، صدقيني ستعيشين.
تتشبث به، تُعلق يدها بيده، يندمجان، كأنه هو حبل الحياة تعتصم به لينتشلها من براثن الموت.
الآن يدرك أهميته في الحياة، يتحرك نحوها أكثر فأكثر، يقترب .. أقرب فأقرب، لتتلاشى المسافات، يطبع قبلة على جبينها ثم يجر شفاهه المتفحمة على جسر أنفهـا حتى يصل لفمها، تخفت أنفاسها الساخنة، ينقبض قلبه، يشد على يديها، ينفخ بكل قوته في فمها، و يستمر ينفخ و ينفخ بلا وهن و بلا توقف، هي قبلة الحياة ، المحاولة الأخيرة لينقذها من الموت كي لا  تكون قبلة للوداع.
تهدأ سيارة الإسعاف في سيرها، تقل السرعة حتى تتوقف السيارة على جانب الطريق.
يُفتح باب السيارة على إيقاع حزين، ينزل من السيارة بمفرده، يجر جرحاً بأعماق روحه يسكن، يغلق خلفه باب السيارة بسرعة، تمضى السيارة، ليجد نفسه أمام عدسات الإعلام و رجال الصحافة.
يقف وحيدا، تبدو عليه علامات الأسى.
يتوافد عليه الصحفيون، يحيطونه  من كل صوب، تتوالى عليه الأسئلة و علامات الاستفهام، يتنهد و يقول:
-         حاولت إنقاذها ...
يصمت قليلا ثم يردف:
-         لكن  .. لكن  الأمل يبق موجود.
تدمع عينياه، يجففها بأطراف ملابسه، يسود الصمت برهة .. برهتين .. ثلاث.
يتعالى صوت من بعيد، بلا رأفة، بلا رحمة:
-         أي أمل هذا يا أسود ؟!
تصدمه الكلمات، تزلزل كيانه، لكنه يتجاهلها، يتجاهلها كأنه لم يسمع شيئا، ثم يسير مبتعــدا يبتلعه الغروب، يقترب أحدهم مكتوب على قميصه police  ثم يسأله:
- أين بطاقة هويتك ؟ ليس معك بطاقة هوية ؟ أنت مهاجر غير شرعي ؟

تصدمه الكلمات تزلزل كيانه، يحاول أن يتجاهلها كأنه لم يسمع شيئا، ثم يسير بصحبة رجال الشرطة إلى مكتب التحقيقات.

الخميس، 18 أبريل 2013

فقير أنا


فقير أنا (قصة قصيرة)


في المواقف الحاسمة .. نسترجع شريط الذكريات ، نتذكر عهداً مضي وانقضى ولم يبق منه سوى الذكري: ذكرى الأحداث .. ذكرى الأشخاص.
أما أنا فأستعيد ذكرى الدافع ، ذكرى الهدف ، بخاطري يدور شريط الحياة ، كم هو أليم ؟ وكم هو حزين؟
أسندت رأسي على رأس مقعدي، سرحت بخيالي، تذكرت أيام العناء والشقاء ،أيام التعب والإصرار.
تذكرت أشخاصاً أدين لهم بالفضل، وتذكرت كلمات حاكم دبي وهو يقول: " لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً،  في كل صباح عليك أن تُسرع الخطى وتسبق غيرك حتى تحقق النجاح"
كلماتٍ حيوية ..  أحيت بداخلي العزم والهمة ، أشعلت بعضاً من الأمل في حياتي.
تذكرتُ ذاك المشهد، تذكرته بكل تفاصيله، لا يمكن أبدا أنا أنساه، كم هو مؤلم ؟
كم هو صعب ذاك الاختيار؟
صعب جدا أن تُخيَّر بين  خيارين كلاهما  أمَر من الآخر.
لا يهُم ذلك الآن.
أخذت نفساً عميقاً، لبست نظارتي، أخذت أتأمل في صمت.
أتأمل تلك المنصة الكبيرة، تلك الأعلام المختلفة مصر والسعودية والأردن وسوريا والكويت والإمارات وفرنسا وألمانيا وتركيا وأسبانيا .. والجوائز تأملتها، تأملت جيداً، بطبيعتي أحب التأمل.
و طبعا لمحت اسمي هناك، منقوشاً في أقصى اليمين.
الآن أو بعد الآن سيطلبوننى.
من المفترض أن أقوم الآن أو بعد الآن لأتحدث إليهم.
ماذا سأقول لهم ؟
أي كلام سأتكلمه ، أي خطاب سأخاطبهم ، أي أفكار سأخبرهم بها، و أي مشاعر و أي أحاسيس ، أو حتي أي خدعه سأخدعهم بها و أحتال بها عليهم .
سأقول لهم أنى لستُ أديباً كما يعتقدون.
وهل سأخبرهم بقصدي الذي من أجله كتبت و أبدعت، حتما سيرمقونني بنظرات الاحتقار والإهانة ، سينعتونني بالأحمق الحقير، ربما يسحبون منى جائزتي.
لحظات قليلة مرت ، ستمر لحظات أخرى وسينادون على.
أنا لست حقيرا.
أبدا لم أكن حقيراً .. أبداً لن أكون حقيرا.
لا أدري ماذا أصنع .. أعِنِّي يا رب.
لا أدري هل كان لزاما على أن أفعل هذا ؟
و لماذا كل هذا ؟
كان يكفيني ما أنا فيه.
أفقتُ وإحداهن تقف عن يميني، بلغة مهذبة و أنيقة:
-                 أنت عباس ؟
كنت جالساً، رمقتها ببعض نظراتي الخائفة المترددة ، وقفت وأجبتها:
-              نعم  .. أنا عباس.
-         أنا جُمانةُ الساعدي ..  قناة أوربت الفضائية.
ابتسمَت ابتسامة جميلة، صمتَت قليلاً وأردفت تقول:
-         في البداية مبروك فوزكم الباهر ..  كلنا فخورين بك يا عباس... لحظات وتتقدم لاستلام جائزة أفضل مجموعة قصصية ..
 ما هو شعورك سيدي؟
-         في الحقيقة أود أن أبكى.
-         ربما دموع الفرح سيدي  .. أخبرنا إذن ماذا ستفعل بالجائزة ؟
-      ماذا سأفعل بالجائزة ؟ سؤال محرج بالنسبة لي .. لكني سأجيبكِ و بكل صراحة .. أولا على أن أُسدد ديوني، سأحضر لأمي جلباباً جديداً .. ربما أعود لدراستي للطب التي توقفت منذ عامين، سأشترى جهاز حاسب آلي وسأشتري بذلة جديدة وحذاءا جديدا.
لم أنته من حديثي .. أقصد من أمنياتي  حتى سمعتهم يرددوا اسمي منعوتا بالفائز بأفضل مجموعة قصصية .
عباس عبد الله الساعاتي.
أفضل مجموعة قصصية بعنوان " الفقر"
أكلم نفسي ، أحاور نفسي : الفقر يفوز بأفضل مجموعة قصصية ، ليس الفقر وحده بل .. أقصد الفقر و أخواته من الجوع مثلا .. الملاريا مثلا .. الكوليرا .. كلها أمراض يعتبرونها للفقر إخوانا .. و البلهارسيا طبعا  .. 
تصفيق حار جدا، ربما أول مرة أرى أناسا يصفقون لي، شعور مذهل جدا ، لطالما تمنيته ، انتظرته يوما ما، كتبته في مذكراتي التي احترقت عندما احترق بيتنا.
كم هي جميلة تلك الموسيقى التي أسمعها الآن ؟
على أنغام الموسيقى حاولت أن أتقدم بين جموع الحضور، بخوف و تردد  بدأت أتقدم، وصلت إلى منصة التتويج، و بخجل الفقراء أمثالي صعدت المنصة ، لازالوا يصفقون ، صعدت ، و بخجل ألتفتُ إلى الحاضرين ، حاولت أن ألوح لهم بالشكر .
أذكر جيدا ذات مساء عندما تدخلت لأحل شجارا بين جياع حارتنا أن أحدا لا أعرف اسمه أخبرني أنني ربما أكون دبلوماسيا مشهورا، تنهدت حينها و أجبته بإصرار أني لا أحب السياسة.
لا يهم ذلك الآن .
المطلوب مني الآن أن أتحدث إليهم .
لأول مرة في حياتي أمسك بيدي مكبر صوت، و لأول مرة في حياتي أتحدث إلى جموع كثيرة كهؤلاء في مكان فخم كهذا ..
الأنوار في كل مكان تبهرني كفقير يزور مدينة لأول مرة فى حياته .. حقا تبهرني الأضواء وفى الوقت ذاته تجعلني أتوتر كثيرا.
أصابني التوتر، و صرت مرتبكا، أرى في عيون الحضور شغفا و شوقا لما سأقوله، لكني لأول مرة لا أدري ماذا سأقول.
   أحقا أنه عندما تتاح لك الفرصة لتتحدث ربما لا تجد ما تقوله، و كأن الكلام يهرب من عقولنا، أو أننا  بحق لا نعى كيف نتحدث أمام الآخرين.
 ماذا أقول.....؟
 هل سألعن الفقر .. الجوع .. البلهارسيا .. الكوليرا اللعينة ؟
أم سأخبرهم بديوني على صاحب المطبعة الرخيصة التي طبعت فيها كتاباتي الباهتة بسبب نقص  الحبر؟
هل أحكى لهم عن ذاك الحي الشعبي الذي أعيش فيه، و أم أمل بائعة الفول، و الفقير عباس بطل قصة الفقر و الولد    نجاد الجائع جدا بطل قصة الجوع ، و القذر شلاطة الذي قضي حياته ضحية للبلهارسيا و لم يُعالج منها بعد ؟
الكل يخطوا نحو عالم أكثر تطورا، عالم أكثر تقدما، و أنا أحدثهم عن حي شعبي فقير جاهل جائع ومريض !
فقر و ملابس وسخة ممزقة ....
و جهل و خزعبلات و أمراض يصاحبها أجساد بالية متعبة ومنهكة ومتهالكة فقدت صلاحيتها فى الحياة ..
 وأفواه جائعة مفتوحة دائما لا تجد ما يغلقها و لو مرة واحدة ولو بإحساس واحد ببعض الشبع أو ربما يسد الرمق. 
دعوني أخبرهم و بصراحة.
و لم لا ..؟
أليست الحقيقة ؟
سأخبرهم، سأتغلب على خجلي، وهل كانت الحقيقة يوما ما عيبا؟
أخبروني من قبل أن الحقيقة مرة جدا لكنها تبقي حقيقة و تأبي أن تكون عيبا.
لازلت أحس بتوتر وارتباك، عرق غزير، أشعر بحرارة الموقف ومن ثم حرارة الجو من حولي.
وضعت مكبر الصوت جانبا، طلبت كوبا من الماء ..
 انتظرت قليلا، ارتشفت الماء، استجمعت بعضاً من قوتي ، نظرت للحضور، حاولت أن ابتسم ، ابتسمت، أطلت في ابتسامتي ؛ علني أستعيد بعض الهدوء ..
كان الهدوء و عم السكون أنحاء القاعة ، بدأت أتحدث :
- "هنـا الشارقة .. مدينة الشروق"
هلل الجمهور وصفق بحرارة ، و سمعت صفيرهم، ثم  أردفت أقول:
"السادة الحضور هنا أتذكر كلمات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ... لا يهم أن كنت أسدا أو غزالا ،  في كل صباح عليك أن تسرع الخطى و تسبق غيرك حتى تحقق النجاح ... أيضا لا يهم إن كنت فقيرا أو غنيا عليك أن تحدد هدفك و تمضى لتحققه بصبر وكفاح ... في الحقيقة كان هدفي الفوز من أجل المال .. ربما تتعجبون و تصيبكم الدهشة"
ثم صمت قليلا أتأمل الموقف .. كنت خائفا ..
ثم  عاودت الحديث بسرعة و بصوت أقوي وبتعبيرات أقوى كأني متهم أدافع عن نفسي و بصوت أعلى بدأت أصرخ:
 "فقير أنا .. نعم فقـــير أنــا .. تركت الطب منذ عامين .. باعت أمي ما تبقي من البيت الذي ورثته بعدما التهمته النار ثم ماتت ؛ لأني  فقير لا أملك  مالاً لأتعلم .. كنت أضع فوزي في تلك المسابقة في كفة و الطب في كفة أخرى ..  موازنة غير عادلة ، معادلة صعبة أتمني أن لا تُجربوها .. قاسية .. مؤلمة .. لكنها لم تكن مستحيلة ، والحمد لله أشكر الله عز وجل..
وأشكر الفقر فمن  الفقر كان الإبداع .. فتحية للفقر"
توقفت فجأة ، لم أحتمل الموقف ، لم أحتمل الصراحة و لم أحتمل الحقيقة، بسرعة تركت ما بيدي، غادرت المنصة، تركت الحضور ، تركت جائزتي ، مضيت بعيدا، وأنا أسمع صفيقا لم  أعهد مثله من قبل، ولمحت عيونا تبكي، لم أكن أدري لماذا يبكون..
 رأيت الدموع بأعينهم وودت لو أجففها لهم بأطراف ملابسي .. لكني لم أفعل.    
أحسست بالدموع في عيني، أدمعت ثم بكيت، أخفيت دموعي كعادتي ، مرة أخرى استجمعت قواي، لوحت للحضور ، ودعتهم وأنا أبكي، بسرعة أخرجت منديلا من جيبي ..
بسرعة مسحت دموعي من جديد ، وعلى موسيقى الفوز انطلقت بعيدا أصنع حياتي من جديد، وبسرعة ابتسمت من جديد.

الخميس، 28 مارس 2013

ورقة صفراء... ( قصة قصيرة فى يناير 2007)





هذا الصباح ..
فنجان القهوة السمراء ، أقلام سوداء و أخرى حمراء و لوحة ورقيه كبيرة ، مسطرة كبيرة .. أوقضتهم مبكرا.
وورقة في إغفاءة صفــراء تتباهى بشظاياهـا الرمادية.
على غير عادتي احتسيت فنجان القهوة بسرعة.
أغلقت باب غرفتي ..
ينتثــر الضــوء..
تستطيل الملامح .. 
وينسكب بين الأضلاع أريج ، أعود أغزل خاصرته.

أخرست الهاتف النقال ، البرد يتسلل من تلك النافذة المفتوحة ، ربما يود مشاركتي  شيئا من أسرار الحديث.
توقفت قليلا ، تأملت الورقة إياها ، فكرت قليلا .
و أخيرا .. أفردت اللوحة الورقيه ، رسمت إطارا باللون الأسود ، أحطت الإطار بإطار آخر ، وتركت مساحة فارغة في أعلى اللوحة .
بدأت أسطر اللوحة جيدا.
و في  أعلى اللوحة رسمت قلبا ، ثم رسمت سهما يخترق ذاك القلب – تماما كما رأيته – و في مقدمة السهم كتبت بالإنجليزية حرف الــ (M) و في نهاية السهم رسمت حرف الـ (A) وأسفل ما رسمت كتبت بالإنجليزية باللون الأحمر ..
(I LOVE YOU)
توقفت قليلا أُراجع ما كتبت ، أحضرت المسطرة ، أخذت خطا سميكا ، و رسمت قوسين و بين القوسين كتبت ...
" من الجميل أن يكون لك قلب أنت صاحبه
لكن من الأجمل أن يكون لك صاحب أنت قلبه "
تماما كما رأيتها و نقلتها بالورقة إياها ...!
كان ينتظرني ريثما أنتهي بلبل صغير.
كان يزورني بالسر ...! ومن جديد أحضرت المسطرة، اخدت خطا سميكا، رسمت دائرة، و بداخل الدائرة كتبت ..
                                 " إن لم تخطط لحياتك فقد خططت لفشلك "
تماما كما رأيت ..
أحس بلحاف الفرح يدثرني ..!
لا أدرى لماذا ..!
يبدو أن فكرتي في طريقها للنجاح.
يــا رب.
أخذت خطا سميكا للمرة الثالثة ، و رسمت مستطيلا ، سطرت المستطيل جيدا ، وبداخله كتبت - تماما كما رأيت - بالإنجليزية ...
 ADD LIFE TO DAYS .. NOT DAYS TO LIFE

تأملت جيدا ما كتبته ، اكتشفت أن اللوحة لن تكفي ...
حسنا سأصغر حجم الخط قليلا .
يمتد بي الوقت و أنا منهمك فيما أفعل ، أنظر في الورقة و أنقل ما بها في اللوحة.
و ما بين الحين والأخر أسمع الصوت يطرق جنبات عقلي :
أتمنى أن أنجح  فيما أفعل ، أتمني .
أعرف تماما أن خطي ليس بالحسن ، كما أني لم أجرب من قبل كتابة اللوحات الكبيرة تلك ، ولست متأكدا هل سيوافق المسئولون في جامعتي على ما أفعل أم لا ...؟
توقفت قليلا ، أقتربت من النافذة حيث الستائر تلاعب الغرفة و نظرت إلى السماء .
يا رب .. كن معي.
يـــا رب.
و من أول السطر كتبت بالقلم الأسود وبخط سميك – تماما كما رأيت -

" الإسلام هو الحل شرع الله عز و جل "

و بسرعه شطبت على ما كتبت – تماما كما رأيت - و بخط مائل و باللون الأحمر كتبت
 "الإنسان هو الحل "  - تماما كما رأيت - .
يصعد الزفيـر ..
آخذ نفسا عميقا ، أتوقف عن الكتابة ، أجلس قليلا ثم أقف، أُعد قلمي ، ثم آخذ خط سميك ، ومن أول السطر:

" الحزب الوطني في مصلحتك و المستقبل لك "

أرسم أربع علامات ×××× –  تماما كما رأيت –  و أكتب بنفس القلم  عبارة تقول:
                                         "تسقط المحسوبية" – تماما كما رأيت –.
الآن..
اكتملت اللوحة ، لم يبق سوى مكان صغير بالكاد يكفى لما تبقى ، لكنه لم يكن ُمسطرا، أحضرت المسطرة ، سطرت جيدا.
و من أول السطر فتحت قوسا لأتبعه بآخر بعد ما سأكتب.
 نظرت إلى الورقة إياها و جدتهم سيفين و ليس قوسين ، مسحت القوسين ، رسمت السيفين ،
 وبين السيفين كتبت ...

فلســـطين من البــحر إلى النــهر

ابتعدت قليلا ، شاهدت اللوحة من بعيدا ، من بعيد تبدوا الصورة في مجملها.
هناك  في أعلى اليسار ...
لازال هناك مكان فارغ  لم يبتلعه الحبر ، ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وأخذت القلم الأسود ، ورسمت مثلثا ، وبداخل المثلث رسمت باللون الأحمر علامة تعجب (!).
المثلث و ما بداخل هو وليد بنات أفكاري الخاصة ..!
أما كل ما سبق من عبارات ، رسوم ، قلوب ، علامات (×) ، خطوط مائلة أو حتى (شخابيط)  فقد نقلتها كما هي من ورقتي دون تعديل ..
دون إضافة..
دون حذف..
تماما كما رأيتها.
و كأن هذا المثلث و ما بداخله من تعجب هو تعليقي الوحيد على ما رأيته مخطوط أو مرسوم بأقلام لا أعرف أصحابها ، مخطوطه بصورة سيئة غير لائقة على جدران مبان الجامعة العريقة القديمة و أخرى على مقاعد مدرجات الجامعة ..!!
أحسست بالأسف و ربما بعض الحزن ..
بل هو زحام الغضب ، حوائط الجامعة ترتدي ثوبا من الفوضى، و ربما التخلف بهذه السلوكيات السيئة.
و بسرعة أحضرت لوحة أخرى ، قطعتها نصفين ، و في النصف الأول رسمت إطارا سميكا ، وبالخط العريض كتبت ..
أخواني الطلاب....

كلماتكم جميله..
  مشاعركم رقيقة..
 آراؤكم حق لكم..
لكنها شوهت جدران جامعتنا...!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في لوحة صغيرة يمكنك أن تكتب ما تريد و تثبتها أينما تريد
و تحافظ على جمال المكان ..."من فضلك لا تؤذينا معك"

أما الآن فصرت سعيدا ، أحسست بأني شخص إيجابي ، أحسست بالسلبية تحتضر بداخلي .
و مرة أخيرة تأملت اللوحة جيدا.
ابتسمت ، اندلقت ضحكة مني .
النافذة لا زلت مفتوحة والبلبل يغرد أرجوانا ..
بسرعة أحضرت النصف الثاني من اللوحة الثانية ، ثم ثبته أعلى مكتبي و بالخط العريض كتبت  بالعربية ...

" فلنضـــيف الحيــاة إلى الأيام ... لا الأيــام إلى الحيــاة "

و أخيرا رسمت إطارين و ابتسمت
 :) :)


السبت، 9 مارس 2013

لصين ( قصة قصيرة )



في الصباح تأتيك خواطر ليست بالضرورة كتلك التي تأتيك وأنت تمر هنا ليلا ..
و في الظهيرة قد تأتيك خواطر أخرى. في الليل ذاته قد تتعدد الخواطر.
في أول الليل تمتلئ المقاهي حتى لا تجد لنفسك مكانا ... تشعر كم هي الحياة ممتلئة؟
ثم تبدأ تفرغ المقاهي من روادها شيئا فشيئا عند منتصف الليل لتفرغ تماما في أخر الليل .. وتشعر حينها كم هي الحياة فارغة ؟
و تعبير شيئا فشيئا يعطيك إيحاءا بسمة التدريج ..
و بالتدريج رفعت قدمي عن دواسة البنزين .. هدأتُ من سرعة سيارتي ، أوقفتها  بجانب مقهى فرغ من رواده و بدأ في غلق أبوابه.
أطفئت المحرك .. اندهشت زوجتي.
تجاهلت تعابير وجهها ربما لأني لم أكن أفهمها بالضبط ، ربما لأني زوج جديد ..
وضعت يدي فى جيبى ، ملئتها بحفنة من اللب الأبيض ، ثم افرغتها فى يد زوجتي ، فابتسمت لى وابتسمت لها.
ثم بدت على وجهها ابتسامة أخري لم تكتمل بعد، ابتسمت لتكتمل ابتسامتها ، أحطتها بذراعي و مضينا سويا.
الطريق خاليا .. خاليا من أي السيارات في هذا الوقت المتأخر من الليل ، مر وقت ليس بالقليل ثم مرت سيارة بجانبا ، أثارت فى الهواء حركة ، أحسست معها بالهواء يتسلل بيننا، تحركنا سويا بسرعة لنكون بمحاذاة الرصيف، ثم أخذت يدها بيدي إلى أعلى، قربتهما من شفاهي ، وبسرعة طبعت علي ظهر كفها قبلة خفيفة ثم  أتبعتها بقبلة أخري.
الليل ، الهدوء، المشي الهادئ ..
لا أحد فى الطريق سواك أنت و زوجتك تسيرون جنبا بجنب بجانب الطريق.
ماذا عساك تقول لها بعد قبلة جميلة كتلك ؟
مرت سيارة أخري بجانبنا ، قليلا و مرت سيارة أخري ثم تبعتها سيارة أخرى.
ثم هدأ الطريق ، بادرت أقول:
- حبيبتي  ماذا  تقولين في اثنين يسيران فى هذا الوقت المتأخر؟
صمتت قليلا ثم بادرت تقول :
- لصين أو حبيبين.
قاطعتها باندفاع مفتعل للتو :
-       حبيبين طبعا .. طبعا.
ردت بعنف :
-       و لماذا لا نكون لصين ؟
ضحكت و اختارت السكوت.
مرت نفس السيارة التي مرت بجانبنا منذ قليل ، توقفت أمامنا على بعد أمتار.
نزل أحدهم ، تبعهم آخر ، أخرج سلم صغير .
صعد السلم ، أخرج من كيسه لوحة كبيرة .
ثبتها جيدا ، ثم أخرج لوحة أخري ، و ثبتها كأختها الأولي .
أنهى مهمته و تبعه زميله ثم ركبا و رحلا.
و قلت لزوجتي :
- بصراحة أود أن أعرف ؟
- تعرف ماذا ؟
-  ترانا لصين أم حبيبين أم عشيقين ؟
- و ما الفرق بين حبيبين و عشيقين ؟
زوجتي تبادلني السؤال بسؤال .. ذكية طبعا .. تجيد الكلام .
ابتسم و أقول :
- لا أعرف .
تمر بجانبنا سيارة تحمل لوحات معدنية منقوش عليها علامات تفيد أنها سيارة تابعة للشرطة، وضعت يدى فى جيبى ، أطمئن على بطاقة هويتي ، تمر السيارة ببطء ، ينتابني بعض القلق .. خوفا من الشرطة ، تتجاوزنا سيارة الشرطة ، أتنفس الصعداء ، و على بعد أمتار قليلة تتوقف سيارة الشرطة ..
ينزل منها خمس أشخاص ..
الأول أخرج سلما كبيرا.
الثاني أخرج طلاءا أسود ، يصعد السلم ، يمر بطلاءه الاسود على لوحة لم أتبين من محتواها سوي كلمتين .. الأولي :علاقات  و الثانية :خاصة .. علاقات خاصة
الرجل الثالث كان يشرف على المهمة.
و الرابع و الخامس يشاهدون في صمت.
- لا تعرف ما الفرق بين الحب و العشق ؟
- لا أعرف.
- و ماذا تعرف بالتحديد .. أخبرني ماذا تعرف ؟
زوجتي تسألني .. ما أفهمه الآن أنها بأسئلتها هذه تستفزني .. تريد أن تعرف أمر ما .. تحتال على..
مرت نفس السيارة  التي مرت بجانبنا قبل سيارة الشرطة ، توقفت أمامنا على بعد أمتار.
نزل أحدهم ، تبعهم آخر ، أخرج سلم صغير .
صعد السلم ، أخرج من كيسه لوحة كبيرة .
ثبتها جيدا ، ثم أخرج لوحة أخري ، و ثبتها كأختها الأولي .
أنهى مهمته و تبعه زميله ثم ركبا و رحلا.
أبصرت جيدا ، اللوحة التي ثبتت منذ قليل .. صورة إعلان لفيلم جديد ، الصورة عبارة عن رجل فى منتصف الثلاثينات .. وسيم طبعا .. نصفه العلوي عاري تماما و تظهر عضلاته المفتولة ، يلبس سلسلة برقبته معلق بها جمجمة صغيرة و يحتضن بين ذراعية فتاة غير واضحة المعالم مرتمية في حضنه و تبدوا و كأنها خجولة ..
اقتربت لأشاهد الإعلان كاملا .. فيلم باسم علاقات خاصة.
ضحكت طبعا و قلت :
- يقولون علاقات خاصة ..
و في حيرة شديدة أردفت أقول :
- علاقات خاصة أم أوضاع خاصة .. خاصة جدا جدا.
زوجتي تطاردني بنفس السؤال ، تسألني عما أعرفه بشأن الحب و العشق ، تكرر سؤالها و تريديني أن أتكلم ..
-       لا تتهرب من سؤالي .. ماذا تعرف .. تحبني أم تعشقني ؟
-       أنا لا أحبك و لا أعشقك .
و أخذت أضحك ..أعرف أنني أستثير حفيظتها ، أثير غضبها ، أعرف جيدا، تقاطعني بسؤال عنيف :
- إذا لماذا تزوجتني ؟ لماذا ؟
- تزوجتك لأنني أحتاج إليك .
- فقط لهذا السبب .. لأنك تحتاج إلى من يخدمك أليس كذلك ؟ .. تريد من يغسل ملابسك وينشرها و يجففها و يكويها ، و يعد طعامك و شرابك .. و ينظف الصحون و يمسح الأطباق ويرتب البيت .. ببساطة تزوجتني لأكون خادمة ..
- تقصدين أني تزوجت لأستغلك ؟
أومأت برأسها ، فقلت بهدوء:
-       نعم .
انفجرت، و انفجر جسدها  كله، و صاحت في غضب:
-       هكذا إذن .. فماذا لو عرفت أني سأتزوج أمريكيا، و أستغله كما تستغلني و أحصل على جنسية أمريكا ؟
أجبت بحزم :
- أقتلك على الفور .
صرخت قائلة :
-       فلماذا لا أقتلك أنا الآن ؟
سكتُ لحظة أفكر ، ثم ابتسمت ، و قلت :
-       في الواقع هذا هو العدل فلتقتليني .. هذا هو حقك .. لكنك لن تستطيعي أبدا.
قطعت حديثنا سيارة الشرطة، على ما يبدو أنها كانت تطارد أصحاب الإعلانات،  قطعت عليهم الطريق ثم أوقفتهم.
وقفنا نراقب ما يحدث.
تأكد لدي أن الشرطة تطارد الأفلام ، فهمت ماذا يريد رجال الشرطة من أصحاب الإعلانات.
أوقفوهم عنوة ، أخرجوهم عنوة، قبضوا عليهم ، صادروا إعلاناتهم .. أقصد صورهم ، ألكموهم ضربا .. سبابا ، و عصموا أعينهم .
 أي ليلة هذا .. أي تمشية هذه ، أي كلام حب سأقول لزوجتي.
أي مطاردة تلك ... أي هروب هذا .
 رجال الشرطة تطارد صور الأفلام .. و تطاردنا معهم.   
أي كلام يجب أن يقال الآن.
أصابني الخوف ، خائف أنا ..
كاللصين صرنا ، أسرعنا الخطي، اختلست نظرة خلفي، تأكدت جيدا أننا بعدنا عن أنظار رجال الشرطة، بسرعة أوقفنا سيارة أجرة، ركبنا بسرعة كأننا خائفون، انطلق السائق بسرعة كأنه هو الآخر لص مثلنا .. يهرب مثلنا ، خائفا مثلنا.
بدأت أفكر كأنني خائف، أفكر فيما يجب أن أفعله و أنا خائف، أفكر في المرأة التي تجلس بجانبي والمفروض أنها زوجتي ..
و أفكر بخوف فيما فعله رجال الشرطة ..
على الأرجح أنها مثلي تفكر ، وصلنا شقتنا بعد طريق أشبه بطريق الخوف المظلم .
تنفست الصعداء بعد الخوف ، قبل أن أُخرج ما تبقي بداخلي من خوف أخرجت مفاتيحي ، فتحت باب الشقة و أنا أنهج ، أغلقته ورائي ، و بشوق أخذتُ زوجتي في حضني ، رفضت ، وتعنتت و صاحت:
- اتركني لا أريدك.
أخذت نفسا عميقا لأهدأ من خوفي ، ثم ضممتها في صدري بقوة وهمست بأذنها :
- الكذب أسهل شيء لكنني لا أكذب على من أحبه .. أنا تزوجتك لأني أحبك و فقط .
ثم سكتُ ، و أرحت ذراعي، و أردفت :
- و أنت يمكنك أن تتركيني في أي لحظة لكنك لن تفعلي .. كلانا يحتاج إلى الآخر و لهذا ربطنا الزواج.
................................
................................
................................
................................
................................
................................
................................
................................
................................
................................
و أين السيارة ؟
يسألني أحدهم ، و أتذكر أني نسيتها في الشارع ، فلتأذنوا لي الآن لأُحضرها ..